منوعات

بعد ما زوجي مـ,ـزق ملابسي

بعد ما زوجي مـ,ـزق ملابسي ورماني في الشارع في نص يناير، أمه ابتسمت بخـ,ـبث وقالت: “خلينا نشوف لو فيه شحات يبغاكِ الحين.” عملت مكالمة وحدة، وبعد ثلاثين دقيقة، أسطول سيارات رولز رويس كان واقف قدام عمارتنا. الصفعة دوّت في الشقة أقوى مما ينبغي. ما كانت مجرد جلد على جلد. ما كانت بس كف زوجي على وجهي. كان الصوت كأن شي في حياتي انشق أخيراً. طحت على بلاط المطبخ جنب الجزيرة، وإيدي انزلقت في بقعة زيت زيتون نسيت أمسحها. صلصة الطماطم على البوتاجاز كانت لسه بتغلي، مالية الغرفة بريحة الثوم والريحان بينما خدي يحرقني لدرجة إني حسيت بطعم معدن في فمي.

لما رفعت عيني، كان إيثان واقف فوقي ببنطلون رياضي رمادي والبلوفر الكشمير الأسود اللي قعدت شهور أحوش عشان أشتريه له. “قومي” قال. أمه، كارول، كانت واقفة في الممر بروب وحاطة روج كأنها متجهزة لعرض. كلوي، أخته، جنبها بشبشب وردي وماسكة جوالها تصور. هنا فهمت إن اللي صار ما كان صدفة. كانوا مخططين لكل ثانية. “هي تبكي على إيه الحين؟” قالت كارول. “الحين تبغى تعاطف؟” كلوي قربت جوالها أكثر. لمحت نفسي على شاشتها، شعري منكوش، حمالة قميص النوم طايحة من كتفي، وجهي مصدوم. “لا تصوريني” همست.

“أجل بطلي تمثلين تسلية ببلاش” قالت كلوي. سحبت نفسي ووقفت ومسكت الطاولة. “إيثان، أرجوك. أياً كان هذا، نقدر نتكلم.” “نتكلم؟” ضحك كأني أهـ,ـنته. بعدين رمى ملف عند رجولي. فواتير طبية تطايرت على الأرض. إيصالات خصـ,ـوبة. تقرير معمل عمري ما شفته لأنه أخذه من البريد قبل لا أشوفه. “ما تقدرين تجيبين لي طفل” قال. “ما تقدرين حتى تسوين الشي الوحيد اللي المفروض الزوجة تسويه.” الكلمات هذي ما وجعتني لأنها جديدة. وجعتني لأنها قديمة. ثقيلة. مألوفة. زي الأثاث اللي أتكدم فيه في الظلام.

“لسه ما نعرف هذا” قلت. “الدكتور فوس قال عندنا خيارات.” كارول طلعت صوت قـ,ـرف. “الخيارات تكلف فلوس.” إيثان اقتـ,ـحم غرفة نومنا، سحب شنطتي من رف الدولاب، وبدأ يطلع ملابسي بكلتا إيديه. الحرير اتمزق. الشماعات اتكسـ,ـرت. الفساتين اللي كويتها بعناية اترمت في الممر زي الزبـ,ـالة. لما مديت إيدي لمعطفي، شده بقوة لدرجة إن الكم اتشـ,ـق. هوا الممر البارد ضـ,ـرب دراعاتي العـ,ـريانة. “وقف!” صـ,ـرخت. دفعني برا العتبة وملابسي الممـ,ـزقة عند رجولي، بعدين رفس شنطة سفري وراي. كارول عدت من جنبي، فتحت باب العمارة، وابتسمت والهوا بتاع يناير بيقطع فينا.

“خلينا نشوف لو فيه شحات هيلمك.” الثلج الوسـ,ـخ كان على الرصيف. شبشبي اتبلّ خلاص. فوق، كلوي لسه بتصور وإيثان واقف ورا أمه بنظرة قبيـ,ـحة ومتحمسة. كان المفروض أترجاه تاني. بدل كذا، مديت إيدي في جيب الكارديجان الممـ,ـزق وطلعت جوالي. كان فيه رقم واحد حلفت ما أستخدمه إلا لو حياتي اتدمـ,ـرت بجد. الرنة جات مرة واحدة. “مستر بيل” قلت لما رد. صوتي ما كان شبه صوتي. “أنا صوفيا. محتاجة مساعدة.” سكون. بعدين صوته صار رسمي بالطريقة اللي أفتكرها من حياة ثانية.

“ابعتي لي موقعك يا آنسة لوران. إحنا في الطريق.” رفعت عيني وشفت ابتسامة كارول بتزداد حدة. “بتتصلي تطلبي صدقة؟” ما رديت. بس بعت العنوان ورجعت وقفت تحت النور الأصفر الضعيف فوق مدخل العمارة، وأنا بأترعش لدرجة إني سمعت سناني بتخبط في بعض. بعد تسعة وعشرين دقيقة، الشارع سكت بالطريقة الغريبة اللي المدن بتسكت فيها قبل ما الناس تلاحظ الفلوس. بعدين أنوار بيضا لفت من على الناصية. رولز رويس سودا وقفت على الرصيف. بعدين واحدة ثانية. بعدين ثالثة.

ولما وش كارول فقد لونه أخيراً، باب العربية اللي في النص بدأ يتفتح… …باب العربية اللي في النص بدأ يتفتح ببطء. نزل منها راجل ستيني ببدلة سوداء مفصلة، شعره أبيض مرتب، وعيونه حادة زي الصقر. مستر بيل. كان مدير أعمال أبوي الله يرحمه، والوصي القانوني على كل إرث عيلة لوران. وراه نزل أربعة حراس ببدل سوداء، وقفوا وراه بصمت. الشارع كله وقف يتفرج. الجيران فتحوا الشبابيك في عز البرد. كارول شهقت وخطت خطوة لورا. ابتسامتها الخـ,ـبيثة اختفت كأن حد مسحها. كلوي وقّفت تصوير، والجوال ارتعش في إيدها. إيثان وقف متجمد مكانه، واللون راح من وشه.

مستر بيل مشى ناحيتي مباشرة، تجاهلهم كلهم، وخلع الجاكيت الغالي اللي عليه ولفه حوالين كتافي المرتعشة. دفء الصوف غطى جلدي المتلج. “آنسة صوفيا” قال بصوت واطي يوصل لهم كلهم، “أعتذر عن التأخير. الطيارة الخاصة أخذت وقت على ما أقلعت من جنيف.” جنيف؟ كارول بصت لإيثان كأنها بتسأله: هي من فين؟ “أنا بخير يا عم بيل” قلت وصوتي لسه مبحوح. “بس…” رفع إيده يسكتني بلطف. بعدين لف ببطء ناحية إيثان وأمه وأخته. نظرته لوحدها خلت كلوي تخبي جوالها ورا ظهرها.

“سيد إيثان كارتر” قال مستر بيل، وصوته بقى رسمي وبارد زي قاعات المحاكم. “أنت أخطأت خطأ كبير جداً الليلة.” إيثان بلع ريقه. “إنت مين؟ وإيش جايب كل السيارات هذي؟” مستر بيل ابتسم ابتسامة ما وصلت لعيونه. “أنا الشخص اللي كان ماسك ثروة زوجتك من يوم ما كان عمرها 16 سنة. الثروة اللي والدها، روبرت لوران، حطها في صندوق ائتماني باسمها، بشرط ما تستلمه إلا لو اتعرضت للخطر أو الإهـ,ـانة من زوجها.” الدنيا سكتت. حتى الهوا بطل يصفر.

“صندوق… ائتماني؟” همست كارول. “بقيمة 84 مليون دولار” كمّل مستر بيل وهو يطلع ملف جلدي من الحارس اللي جنبه. “بالإضافة إلى 40% من أسهم مجموعة لوران القابضة. الأسهم اللي حضرتك يا سيد كارتر، كنت بتتحايل على صوفيا طول السنتين اللي فاتوا عشان تتنازل عنها لك.” إيثان فتح فمه بس ما طلع صوت. “صوفيا لوران ما كانت محتاجتك تصرف عليها” قال مستر بيل وهو يطالع في عين إيثان مباشرة. “هي كانت تختبرك. وأنت سقطت في الاختبار.”

أشار لواحد من الحراس. الحارس تقدم ومد لي شنطة يد صغيرة. “جواز سفرك، بطاقاتك، والمفاتيح الجديدة لشقتك في البرج. طيارتك جاهزة تنقلك لأي مكان تبغيه يا آنسة.” لفيت على إيثان. الكشمير اللي اشتريته له بفلوسي، الشقة اللي دفعت نص إيجارها من شغلي، كله كان كذبة عايشينها. الدمعة اللي كنت حابساها نزلت أخيراً، بس ما كانت دمعة ضعف. “تقدر تحتفظ بالبلوفر” قلت له. “هتحتاجه. سمعت إن المحاكم باردة في يناير.” كارول صرخت: “إنتي كذابة! مستحيل يكون عندك فلوس!”

مستر بيل طلع شيك من جيبه وحطه على كبوت أقرب رولز رويس. “هذا شيك بمليون دولار. تعويض أولي عن الأضرار النفسية. المحامين تبعي هيتواصلوا معاكم بخصوص قضية الطـ,ـلاق والتعـ,ـدي والإيـ,ـذاء. والقضية الثانية… الاحتيال.” كلوي بدأت تبكي. إيثان وقع على ركبه في الثلج الوسـ,ـخ. ما بصيت عليهم تاني. مستر بيل فتح لي باب العربية بنفسه. قبل ما أدخل، وقفت لحظة وطالعت في كارول اللي كانت لسه واقفة على العتبة ووجهها شاحب. “على فكرة يا كارول” قلت بهدوء. “طلع فيه ناس كتير يبغوني. بس الفرق… إني أنا اللي أختار مين يستاهلني.”

ركبت، والباب اتقفل وراي بصوت ناعم وغني. الأسطول اتحرك بهدوء، وسابهم واقفين في البرد، وسط ملابسي الممزقة، وكشف حساب حياتهم اللي صار صفر. بعد شهر، وصلني خبر: إيثان خسر وظيفته بعد ما شركته عرفت بالقضـ,ـية. الشقة انحجز عليها. وأمه باعت دهبها عشان تدفع أتعاب المحامين. أم ا أنا؟ بدأت علاج الخـ,ـصوبة في أحسن عيادة في سويسرا. بفلوسي. باختياري. ولأول مرة من سنين، ما كنت خايفة من الشتا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى